
من وحي الخيال:
كان لا يتمتع بأي قدر من الجمال بل أنه كان معروفا في الحي و العمل و من قبلهم المدرسة و الجامعة بفلان القرد فقد كان وجهه قريب الشبه بالقرود علاوة علي شعره الكثيف الذي يملأ رأسه و يظهر ممتدا من صدره الي رقبته و كان صوته الأجش يكمل الصورة و يلصق به اللقب عن جدارة ,كان فلان القرد رجلا طيب يعيش في شقة في حي متوسط وحيدا بعد أن ماتت أمه و فشلت محاولاته في العثور على عروسة ترضى بأن تكون زوجة القرد و كان في الصباح يذهب الي العمل و في المساء يتجول في شوارع المنطقة يلقي السلام علي كل من يراه و يجلس يتحدث مع أصحاب المحلات و يسأل عن الغائب و يبادر بعرض المساعدة لأي محتاج ,فكان معروفا بشهامته و طيبته وحسن خلقه ,و لا انسى له أنني عندما تخرجت من الجامعة عرض علي أن يجد لي عملا في الشركة التي يعمل بها و بالفعل توسط لي عند المديرين لأتعين تحت التدريب و ما لبثت أن تعينت تعيين ثابت بعدها لأحظى بفرصة يتمناها الكثيرون ,و كان فضولي يدفعني أن أسئله لماذا لا تتزوج نريد أن نفرح بك فيرد مبتسما :ربنا يكرمك .و كان إذا عرض عليه أحد الجيران عروسا تبسم و قال :كل شئ نصيب
كأنه كان يعلم ما يخبأ له في حقائب الأيام ,حتي حدث يوما أنه مرض و غاب عن العمل فما كان مني الا أن زرته فوجدت حالة بيته يرثى لها فوصل بي الفضول منتهاه و سألته ليه مش عايز تتجوز لحد دلوقتي؟ فرد في إبتسامه في عمقها المرارة:
و مين دي اللى ترضى تتجوز فلان القرد!!
وكانت صدمة لي أنه يعرف الإسم الذي يتهامس به الناس من وراء ظهره و الذي أطلقه عليه أولاد الحي فإحمر وجهي خجلا و قلت :أنت طيب و إبن حلال و في بنات كتير تتمني تتجوزك و نقلت دفة الحوار الي موضوع أخر بعد أن فجر في وجهي قنبلة معرفته بلقبه .
و ذات يوم رزق زميل لنا في العمل بمولود و عرض عليه فلان القرد ان يذهب معه الي حلقة الغنم لإختيار شاتا جيدة تصلح للعقيقة و ركب معه سيارته و توجها الي حلقة الغنم و اشتريا شاتا و رفض أبو المولود أن يضع الشاة في سيارته الجديدة,حتى لا تتسخ, فعرض عليه فلان القرد أن يركب هو مع سائق سيارة نقل صغيرة و يقود أبو المولود سيارته وراءهم في طريقهم للبيت و وافق الطرفان ,و كان الليل قد رسم الرطوش الأخيرة في اللوحة المعتمة. و جاء سائق سيارة للشحن مسرعا ليدلي الستار علي حادث مروع هشم السيارة التي يستقلها فلان القرد, و هشم معها أخر ملمح من ملامحه ,دخل فلان القرد الإنعاش و كانت حالته خطيرة حيث أصيب بكسر مضاعف في الجمجمة و جروح متفرقة أغلبها في رأسه من أثر تكسر زجاج السيارة و ارتشاقه في وجهه و ذهبنا لنزوره في المستشفى.
و كانت المفاجأة أن استقبال المستشفى يعج بأهل الحي و أصدقائه و زملائه و كل من يعرفه فكل واحد منهم يحمل له جميل أداه له في حزنه قبل فرحه و رأيت عيونا قد أدمعت و أكف قد رفعت و عرض كل واحد من الحاضرين أن يساهم في مصاريف العلاج بالمستشفى فكانت مظاهرة حب في من يتقدم بدفع نقود تحت حساب العلاج, إلا أن زميلنا أبو المولود أصر أنه المسئول و لابد أن يتكفل بالمصاريف كاملة.و أمام باب الإنعاش اكتظ الحاضرون كل يريد أن يطمئن و يلقي نظرة على فلان القرد .إلا أن الأطباء رفضوا و منعوا الزائرين من الدخول و بحكم أني جارته عرضت علي الدكتور أن ادخل لأراه و اسأله إذا كان يريد أي شئ من بيته احضره له و وافق.كان رأسه مغطي بالشاش لا يظهر منه غير مخرج بسيط للتنفس و خراطيم الهواء و كان يبدو انه بعد سبع ساعات في حجرة العمليات ان حالته خطيرةاقتربت منه متماسكة مبتسمة هامسة :ألف سلامة يا فلان إن شاء الله تقوم بالسلامة بسيطة ان شاء الله
فرد علي بصوته الأجش: الحمد لله الإصابة جت في الرأس و معدش حد يقدر يبص في وشي اخيرا حريح الناس من منظري البشع
صدمت لرده و قلت:متقلش كده الناس كلها بتحبك و قلقانين عليك و بيدعولك تقوم بالسلامة
قاطعني بصوت متعب:انا كنت بشوف في عنيهم السخرية و القرف لما بكلمهم
قلت:ابدا مش صحيح دول بيحبوك
قال:بيحبوني ازاي و هم كانوا كل يوم بيقتلوني بنظراتهم
قاطعنا الطبيب قائلا :كفاية كده سيبيه يستريح
سألته : مش عايز حاجة من الشقة او اي حاجة؟
قال:ربنا يكرمك
و ما هي الا ساعات حتى رحل فلان القرد عن دنيا المظاهر و الأشكال ليترك أصحابه و جيرانه يبكون دموعا علها تغسل الدماء التي نزفت من قلبه بسبب خناجر نظراتهم له
و إكتشفناجميعا أننا قتلناه من قبل أن يموت.